عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

76

معارج التفكر ودقائق التدبر

بالغيب ، وأنّ الوسيلة الإقناعيّة للإيمان بالغيب هي الأدلّة الفكريّة والعلميّة ، وأنّ أفضل وسيلة لتوصيل هذه الأدلّة إلى عمق الأفكار ، فعمق القلوب ، هي وسيلة الحديث المنطقيّ العقليّ الهادىء ، الّذي يشترك فيه المحدّث والمتلقّي على تحاور سواء بينهما . فأسلوب الحديث المنطقيّ العقليّ الهادىء ، يفوق في تأثيره كلّ بيان آخر ، كالخطابة ، والدّرس ، والمحاضرة ، والشّعر ، ولهذا وصف اللّه عزّ وجلّ ما جاء في كتابه بأنّه من قبيل الحديث ، فقال تبارك وتعالى في سورة ( الزّمر / 39 مصحف / 59 نزول ) : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ومن هذا يتبيّن لنا أنّ الحديث هو وسيلة التأثير الفضلى الّتي يقوم بها الرّسل والأنبياء ، والدّعاة إلى دين اللّه المتأسّون بهم . * * * قول اللّه تعالى : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) : بعد حصار المكذّبين بآيات اللّه البيانيّة المنزّلة على رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم من أربعة وجوه ، اقتضت الحكمة البيانيّة توجيه الأنظار التفكّريّة لغاية الامتحان في ظروف الحياة الدنيا ، وهي تتمثّل بأمرين رئيسين : الأمر الأول : الحكم على من ضلّ في رحلة امتحانه ، بالضلال الّذي لا يحكم فيه إلّا اللّه وحده لا شريك له . وبعد الحكم بالضلال في العاجلة ، فقد تقتضي حكمة العزيز الجبار